الخميس، 13 أكتوبر، 2011

الخزانة الصغيرة

كان يتردد على سوق الجمعة بمنطقة الخارطه القريبة من ميدان السيدة عائشة ، هذا المكان الذى يجمع القديم والحديث ويتردد عليه الكبار والصغار النسوة والرجال الاغنياء والفقراء كل حسب حاجته ومايراه ملبيا لميوله متفقا مع رغباته والغالبية تذهب وليس فى ذهنها الا الفرجة ، الفرجة على المعروض ، الفرجة عن النفوس ، الفرجة من المكروب 
وبيناوهو يتجول ويجيل النظر فيما هو مفروش على الطوار وما هو معلق بمشاجب على حوائط المقابر التى كتب على هذه المنطقة ان تحتويها وتضمها بين احضانها حيث كانت فى قديم الازمان بساتين يانعة اختارها الموسرين من اهل مصر ان تكون مقابر لموتاهم واهم مقابرها صيتا مقبرة فريد الاطرش واسمهان وفؤاد الاطرش واسماعيل ياسين والمقبرة التى اشترتها حديثا شادية واشترطت ان تكون بجوار زميل عمرها وفنها اسماعيل ياسين ،وعبد الحليم حافظ واشهر مقابر الساسة مصطفى النحاس باشا ..هذا على حد علمى 
اعود فاقول بانه بيناهو يتجول لاحظ خزانة خشبية متوسطة الحجم ذات ادراج متعددة مصنوعة من العاج والابنوس ، لعل من صممها ونفذها قد قصد ان تكون مستقرا ومستودعا للخواتم النفيسة , انحنى على الرصيف الذى يحملها لكى يطول ملمسها الناعم اللامع الدقيق الرقيق وحاول فتح ادراجها واستجاب بعضها واستعصى الباقى عليه فتحها 
( وتوجه بعدها الى المنزل ومجرد ان فتحت له شقيقته التى لم تترك له الدنيا سواها بعد وفاة والديهما ، وبمجرد ان رأت الخزانة المحمولة مادت بها الدنيا واكفهر بها المكان لكنها تجلدت خوفا من ان تظهر ملامحها ما يختلج داخلها من احساس طارئ الا ان مظهرها ابى الا ان يوقد فى نفس اخيها جذوة الريبة والشك وسألها 
- ماذا دهاكى يا سالى وما الذى انتابك بمجرد دخولى الشقة  ... الم تلاحظى ما احمله ؟  ان شدة الشبه بينها وبين خزانة المرحوم صفوتهو الذى اغرانى الى شرائها 
( نظرت اليه ساهمة غير ناطقة كتمثال ارتسم على محياه الخوف الا انها اخيرا تمتمت قائلة 
-سالى : نعم كانها هى 
( تركت اخيها واتجهت الى حجرتها واوصدت الباب وتركته خارجه وقد زاده ذلك من الاحساس بالريبة والشك فيما وراء هذا التصرف . الا انه لم يعر الحدث بالا وانشغل فى امر ادراج الخزانة وخاصة ما استعصى منها على الفتح ، وحاول مرة اخرى بين شد وجذب الى ان كلت متانة احد الادراج واستجاب لرغبة صاحبه الجديد
وكشف الدرج عما فى جوفه من رسائل لم يهضمها الوقت بل ظل محتفظا بلونها  وما تحمله من مكتوب الا ان الخط لم يكن غريبا على عينه 
ولعبت به الهواجس لعبتها الطاغية الباغية حينما امعن النظر وتأكد من ان الخط خط شقيقته المختفية الآن داخل حجرتها واسرع فى قراءة فحوى هذه الرسائل وكان اهمها الذى استطاع ان يقلب هدؤه ثورة ، وسكينته صخبا واسرعت عيناه الى التهام القراءة وكانت الورقة الرابحة فى زعزعته هى الموجهة من شقيقته الى صديقه المرحوم صفوت  وبدايتها 
عزيزى
آسفه ان تركت لك هذه الرسالة مع حارس مسكنك لاننى اطرقت بابك كثيرا دون مجيب وانتظرتك طويلا على الطوار المقابل انتظارا لحضورك دون جدوى لكى ابلغك حبيبى انه تقدم الى اخى صديق يطلب يدى وتعرضت لاسوء موقف مر بحياتى حيث لم اجد  سببا لرفضى حيث يحتل مركزا ممتازا بجانب انتسابه لعائلة كريمةوكل ذلك لم يحرك فى نفسى ساكنا حيث انك سكنى ومقر روحى ووجدانى.. ارجو ان تسعى سعيك لوقف هذا الامر حتى نداوى ما لحق بنا وتحقق ما بيننا من عهد وميثاق ، صحيح ان المرض الجبار قد جبرك على التقاعد وعدم الحركة ومن الممكن ان تراسله وتطلب بقلمك ما لا تستطيع ان تطلبه بلسانك  وتأكد ان ما طرأ عليك سيعجز اى طارق ان يسوءنا
                                                 المخلصة  s.s
( وبسرعة فتح عليها حجرتها وسألها 
ما الذى كان بينك وبين صديقى المتوفى (واشار الى الرسالة التى يحملها) فقد وجدت هذه الرسالة فى هذه الخزانة المشئومة التى تخلص منها اهله وغيرها بعد وفاته ببيعها للجائلين.. مالذى كان بينك وبينه وما الذى كنت تودين ان تعالجيه وتداويه فى هذه العلاقة ؟؟؟؟؟
واستدارت شقيقته ببطء خافضة جناح الذل ، وبصوت يخنقه الالم والندم المكبوت وباسترخاء واستجداء واستشفاع محاولة تهدئة هواجسه الخانقة  ، واسرعت الى درج تسريحتها واخرجت منه ورقة معنونة ( زواج عرفى ) ومزيلة بتوقيع كل من شقيقته  والصديق المتوفى 
واستطردت قائلة بصوت مخنوق : 
- سالى : انت تعلم ياأخى اننا تربينا على الفضيلة والاخلاق الحميدة ..الا اننى شغفت حبا بصديقك الذى كان يتردد علينا كثيرا وتولد هذا الشغف من اول لقاء عينى بعينه اثناء دخولى عليكما بواجبات الضيافة فكنت اسيرة هذه المشاعر ، وفى احدى مرات غيابك عن المنزل وحضوره الذى فاتحنى معه بحبه وهيامه الشديد وطلب منى الارتباط بصفة مؤقته  بعقد عرفى وهو منتشر  هذه الايام بين الاسر ، واوضح لى ان امره اصبح شبه مقبولا لعلاج بعض المواقف المستعصية وهذا الارتباط سيكون مؤقتا فى مثل ظروفه حيث انه فى طريقه للسفر الى الخارج لاجراء العملية التى وافت باجله وذلك كله حتى لايتطاول سواه بطلب يدى ، واقسم لك اخى باغلظ الايمان بأنه لم يلمسنى من قريب او بعيد ولم يثمر هذا الارتباط اى ثمرة نعجز ردها اليه ، وقد اخفيت عنك هذا الامر لان معرفتك به سوف تزيد الامور تعقيدا وتعصيبا ... وانتظرت رجوعه لنوثق هذا الارتباط الواهن الكالل بارتباط شرعى وطيد الاركان تقبله كل الاعراف والاحكام ولكن يد المنون كانت اسرع منى وسبقتنى اليه ودفنت معه ما اتفقنا عليه .. وانا امامك الآن اخى بين يديك اما ان تودعنى قبره واما ان تغفر لى خطيئتى التى لم تتبعها خطيئة 
 وبعدها ارتطم شقيقها على اقرب كرسى ودفن رأسه بين يديه ولم يستطع بعدها النظر الى شقيقته التى جهلت بل تجاهلت ما كان يمكن ان يثمر هذا الوضع الجديد على علاقاتنا الاجتماعية وفى مجتمعنا الاسلامى الحميد من نتائج يصعب عليها اثبات مصدرها وجذورها ... وكان هم غضبه على المجتمع قبل شقيقته الذى سمح بعض اطيافه بقبول مثل هذه العلاقة الفشة الهشة التى لاتقام على اعمدة وطيدة ولا تحكمها الشرائع والاعراف
                                تمت
الفاروق 

 
 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق